محمد محمد أبو ليلة

188

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق فسننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسة مثله وقاتل بمن أطاعك من عصاك " ثم قال ابن الجزري : " فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ، بل يقرءونه في كل حال ، كما جاء في صفة أمته " أناجيلهم في صدورهم " ، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه ، ولا يقرءونه كله إلا نظرا ، لا عن ظهر ، ولما خص اللّه تعالى بحفظه من شاء من أهله ، أقام أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه ، وتلقوه من النبي صلى اللّه عليه وسلم حرفا حرفا لم يهملوا منه حركة ولا سكونا ، ولا إثباتا ولا حذفا ، ولا دخل عليهم في شئ منه شك ولا وهم ، وكان منهم من حفظه كله ، ومنهم من حفظ أكثره ، ومنهم من حفظ بعضه ؛ كل ذلك في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم " « 1 » . وعندما بدأ اختلاط العرب بالعجم يؤثر على فصاحة اللغة ويزحف إلى ألسنة قرّاء القرآن ؛ حتى لقد شق على بعض الناس أن يميزوا بعض الكلمات القرآنية غير المعجمة ، هدى اللّه الخليفة ، فأمر الحجّاج بأن يتولى عملية ضبط القرآن ؛ فكلف الحجاج رجلين ليقوما بهذه المهمة هما : نصر بن عاصم الليثي ، ويحيى بن يعمر العدواني من تلامذة أبى الأسود الدؤلي ؛ ولقد كان الرجلان آية في العلم ، والعمل ، والصدق ، والضبط ، والأمانة ، فقاما بهذه المهمة النبيلة خير قيام ، وأراحا بذلك سواد قرّاء القرآن « 2 » . وفي هذا دليل أكيد على أنه لا يوجد في عمل الحجاج ما يضاد صحة القرآن ؛ وليس فيه كذلك ما يخرم الثقة في النص القرآني وليس في عمل الحجاج البتّة ما يوهم بأن القرآن لم يجمع حتى هذا التاريخ أو أن الحجّاج غيّر في القرآن شيئا كما حلى للمستشرقين أن يرددوه . أشار الكاتب بعد ذلك إلى قول بعض المسلمين بضرورة الأخذ بالقراءة التي توافق قواعد اللغة فقط « 3 » ؛ وقد مر بنا رفض العلماء لمثل هذا الرأي على أساس أن القراءة توقيفية وأن الأخذ بها واجب سواء وافقت قواعد اللغة أم لم توافقها ، المهم أن تكون

--> ( 1 ) النشر 1 / 6 والإمام البخاري - خلق أفعال العباد 2 / 178 ضمن كتاب عقائد السلف . ( 2 ) ابن أبي داود كتاب المصاحف 117 - 118 ، ابن النديم . الفهرست ؛ ابن خلدون المقدمة 3 / 1028 ؛ والزركشي . البرهان . ج 1 ص 374 وما بعدها ؛ والسيوطي - الإتقان ج 1 / ص 222 وما بعدها . وانظر الزرقاني ، مناهل العرفان . 1 / 406 - 407 . ( 3 ) انظر : دائرة المعارف الإسلامية ص 409 .